محمد هادي معرفة
482
التمهيد في علوم القرآن
منه إلى ذكر الشجرة ، ثمّ تخلّص من ذكرها إلى صفة الزيت ، ثمّ تخلّص من صفة الزيت إلى صفة النور وتضاعفه ، ثمّ تخلّص منه إلى نعم اللّه بالهدى على من يشاء . ومنه قوله : سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ . . . الآية « 1 » فإنّه سبحانه ذكر أولا عذاب الكفّار وأن لا دافع له من اللّه ، ثمّ تخلّص إلى قوله : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ . . . بوصف « ذي المعارج » ! ومنه قوله : إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ . وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ . أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ « 2 » . وقوله : أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ « 3 » . وهذا من بديع التخلّص ، فإنه سبحانه خلص من وصف المخلصين وما أعدّ لهم إلى وصف الظالمين وما أعدّ لهم . قال : واعلم أنه حيث قصد التخلّص فلا بدّ من التوطئة له . ومن بديعه قوله تعالى : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ « 4 » يشير إلى قصّة يوسف عليه السّلام فوطّأ بهذه الجملة إلى ذكر القصّة ، يشير إليها بهذه النكتة من باب الوحي والرمز . وكقوله سبحانه موطئا للتخلّص إلى ذكر مبتدأ خلق المسيح عليه السّلام : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً . . . الآية « 5 » « 6 » .
--> ( 1 ) المعارج : 1 - 4 . ( 2 ) النمل : 23 - 26 . ( 3 ) الصافات : 62 . ( 4 ) يوسف : 3 . ( 5 ) آل عمران : 33 . ( 6 ) البرهان : ج 1 ص 45 .